الأحد، 25 يوليو 2010

عوائق الديموقراطية في العالم العربي

عبد الرزاق عيد:


الحلقة الأولى من النص الكامل للمحاضرة التي ألقاها المفكر السوري الدكتور عبد الرزاق عيد في باريس بدعوة من لجنة إعلان دمشق في فرنسا تحت عنوان: عوائق الديموقراطية في العالم العربي (سوريا نموذجا)...


الديموقراطية قرينة الحرية ونتاجها الاشتقاقي، أو لنقل: هي تمثيل وتمثل للحرية في ساحة السياسة.. ساحة السياسة (مبدأ التفاوض والحوار )، ولدت كبديل عن ساحة الحرب (مبدأ تحطيم الآخر)، وظل الاشتباك بين هاتين الساحتين حتى لحظتنا الراهنة، حيث بمقدار ما تتسع ساحة السياسة: حرية وديموقراطية وحوارا وتعددا وتسامحا وقبولا بالآخر، بمقدار ما تضيق ساحة الحرب: على مستوى الأفراد والشعوب، وعلى مستوى علاقات القوى والمجموعات والمكونات للمجتمع والدولة الواحدة، وصولا إلى ساحات الحروب على المستوى علاقات الدول عالميا.

وفي المقابل إذا كانت فكرة العدالة هي المثل الإنساني حيث معادلها (الحكمة والرشاد) في العصور القديمة، وعلى هذا فقد اصطلح العرب المسلمون على اعتبار أن (الخلافة الراشدة) هي الذروة العليا للمشروعية التي تجسد اللحظة المثالية في تاريخ مسارهم السياسي نحو العدالة وعمادها والمساواة،، حيث كان على الرشاد البشري أن يرتقي سموا ليحل محل صدوع أمر الوحي النبوي بالحقيقة من أعلى، وذلك بعد وفاة النبي، حيث لابد عند الانتقال من زمن النبوة الموجهة سماويا إلى زمن الممارسة البشرية، من أن تتخلق هذه الممارسة بأخلاق النبوة (رشدا ورشادا) واجتهادا وتأويلا لفحواها الإلهي بعد أن توقف وحي السماء برحيل متلقيه المصطفى.

نقول: إذا كانت (العدالة) بمعادلها (الرشيد) كثفت المثال الإنساني خلال حقبة تاريخية طويلة، فإن العصر الحديث سينتقل بمثال (العدالة) نقلة نوعية على طريق تحققها، حيث سينمذج مثاله الإنساني في فكرة (الحرية)، ومعادلها السياسي في الديموقراطية كتتويج فعلي وأكثر ملموسية واقعية لتحقيق العدالة التي شغلت البشرية منذ فجر التاريخ، فإن اكتشاف عصرنا المميز للعصر هو في توصله إلى أن (العدالة بلا حرية) مستحيلة، ولا يمكنها في أحسن حالاتها-بدون الحرية- أن تنتج سوى مساواة في العبودية عندما تلغى الفروق والتمايزات المؤسسة لفلسفة الفرد لصالح القطيعية (الرعية- الرعوية). وعلى هذا فإن حلم البشرية في (العدالة) ظل يبحث عن الحاكم الرشيد القادر على تحقيق العدالة، فعرف التاريخ البشري الكثير من الشخصيات العظيمة الراشدة في ممارستها الحكم على طريق تحقيق حلم العدالة،حيث ثمة لكل الأمم في تاريخها رموز لصورة الحاكم العادل، لكن الظلم بقي –مع ذلك- هو الأقوى والمتغلب...

مع لحظة الحداثة،العصر الحديث، اكتُشف أن مسير ومصير العدالة أهم بكثير من أن تناط بمصير فرد مهما جل شأنه، وأعظم شأنا من تختصر في البحث عن هذا الفرد (المستبد العادل )، فلا بد إذن من مبدأ (الحرية) لتحقيق مبدأ (العدالة)، فكانت الديموقراطية بمثابة التطبيق الإجرائي لمبدأ الحرية من خلال الانتقال بفكرة العدالة من الفرد إلى المؤسسة عن طريق التوسيع المتطور لساحات السياسة على حساب ساحات الحرب على مستوى المجتمع الوطني والمجتمع الدولي، لتغدو الديموقراطية هي آخر كشوف المسار الإنساني لتحقيق العدالة في كل مالها وما عليها في زمننا الراهن، لكن أهمية هذا الكشف الإنساني تكمن في أنه اكتشاف متحرك مفتوح على لانهائية الكمال الإنساني الذي لن يتحقق ما لم يتحقق الشوق البشري للاتحاد بالمطلق، ومن هنا كان البعد الكوني في الديموقراطية حيث كانت ولا زالت توأما لولادة مبدأ حقوق الإنسان.

ومن هنا كانت الديموقراطية مسألة إشكالية: أي بمقدار ما هي حل فهي مشكلة، بما يعني أنه بمقدار ما تنتج من حلول فهي تنتج الأسئلة مثلها في ذلك مثل العقل العلمي الحديث الذي يؤسس لتاريخ علمي جديد فحواه أن العلم هو تاريخ أخطائه وليس تاريخ انجازاته وتلك هي نواة العقل النقدي الحديث، فكذلك الديموقراطية هي تاريخ أخطائها وليس انجازاتها وذلك هو معنى حداثتها...

إذن تكمن إشكالية الديموقراطية ككل إشكالات مفردات العقل الحديث في كونها دائما يعتورها النقصان، لكونها طريقا لبلوغ هدف الكمال البشري وليست الهدف ذاته، باعتبار أن فلسفة هذا هدف الكمال تتأسس على منطق الحقيقة النسبية التي يجب اكتشافها دائما على طريق الكفاح الإنساني من أجل كسبها دائما من جديد، وذلك لأن مراكمة منجزاتها الكمية ستستدعي دائما كليات نوعية جديدة.

بيد أن النقص في الديموقراطية هو عنصر عضوي في بنيتها التكوينية الصيرورية غير المكتملة، حيث لا يمكن أن تحل مشكلة نقصانها من خارجها وإلا كان المآل الاستبداد، فحلول مشكلات الديموقراطية تكمن في داخل نسقها، أي في مزيد من الديموقراطية على طريق الحرية، فجدلها على طريق تحقيق ذاتها هو جدلها ذاته على طريق إنكار ذاتها المتقادمة...

أو العكس: حيث جدلها على طريق إنكار ذاتها هو طريقها لتحقيق ذاتها بذاتها ولذاتها.

الديموقراطية حتمية نسبية: تتأتى حتميتها من كونها خيارا تاريخانيا على طريق الحلم البشري بتنوع وتعدد الأحلام بالحرية والعدالة...أما نسبيتها فإنها تتأتى من تنوع أشكالها وصيغها الثقافية والسياسية لتحقيق " الحرية المجسّدة" حسب تعبير ماركس، والتجسّد في الديالكتيك الهيغلي هو التعيّن، والتعيّن هو حضور المطلق في النسبي، حيث تتجسد هذه الحرية في طوبى الشيوعية التي حلم بها ماركس ومئات آلاف الملايين من الحالمين بالعدالة، لكنهم عندما جربوا طريق القسر والإرغام والإكراه فشلوا وذهبت ريحهم، فكان لابد من الديموقراطية طريقا حتى للشيوعية ذاتها إذا كان ثمة من يحلم بطوباها، لأن الناس لا يحبون أن يساقوا سوقا حتى ولو إلى الجنة...!

حلم الخلفاء الراشدين في تحقيق العدالة من خلال تحقيق روح النبوة في استخلاف الإنسان إلهيا على الأرض ظل ينوس أخلاقيا بين النبل الإنساني بين العمرين: (عمر بن الخطاب إلى عمر بن عبد العزيز )، لكن مع ذلك ظلت (الفتنة الكبرى) على حد تسمية طه حسين لها، مستمرة وهي تغرق تاريخ المسلمين بالدماء حتى اليوم، وذلك لأنه تغلب فيها التاريخ السلطاني على التاريخ الراشدي... فكان لابد من "العقد الاجتماعي" البشري (المؤسساتي ) حسب أطروحة طه حسين التي حكمت كتابته لتاريخ (الفتنة الكبرى)، أي لا بد من مأسسة (الرشد والرشاد) بشريا لبلوغ النموذج المثالي لحلم العدالة الإسلامي إلهيا،أي لابد من الديموقراطية...

فالإسلام والعروبة أو الكردية لن تحقق حلمها الإنساني في الحرية والتحرر إلا بالديموقراطية، فلا وحدة عربية، ولا حرية ولا اشتراكية إلا بالديموقراطية، حيث انهيار كل هذه المعاني في حياتنا برهان على ذلك... كما ولا حل لإشكالية وجودنا الوطني والقومي في اصطدامه مع المشروع الصهيوني إلا بالديموقراطية، وإلا فإن برامج (حزب الله وحماس) لن تكون سوى إعادة مقولة القول للخطاب الشعبوي القومي واليساري الإنشائي المتفاصح خلال أكثر من ستة عقود من الردح الإيديولوجي في سوق المزاد الشعاري أو "شعارية المزاد"، على حد تعبير الراحل محمود درويش، هذا السوق المزادي هو ذاته الذي ورثته اليوم (النجادية) بنسختها الإيرانية بل والعربية، أي إعادة إنتاج الهزيمة وإيديولوجيا الهزيمة ما لم تكن الديموقراطية خيارا استراتيجيا، أي ليس خيارا سياسيا فحسب، بل وحضاريا وثقافيا، فكما لا يفلّ الحديد إلا بالحديد، فلا يفلّ الحداثة الديموقراطية الإسرائيلية إلا بالحداثة الديموقراطية العربية، وما عدا ذلك لغو وهذر ومكر وشعوذة كما كان يصف خالد العظم الذي كان رمز (ذروة المشروعية الدستورية السورية) همروجات ( الخطاب الشعبوي اللفظي) عن الوحدة والتحرير والاشتراكية...

من (خالد العظم) الديموقراطي الليبرالي الدستوري إلى (خالد مشعل ) السياسي الإسلاموي (الأسدي)، يمتد مستنقع من جثث الكلمات الكبيرة للعنتريات التي ما قتلت ذبابة، ومع ذلك يصر خطاب (مشعل الإسلاموي)، و(عزمي بشارة) المفكر اليساري، بل واليسار الفلسطيني عموما على نرجسية وطنية فلسطينية ذاتية عديمة المردودية لفلسطين والعرب، عندما تكون على حساب أنقاض حياة أخوتهم العرب في الحرية والكرامة التي لا تقل نقصانا عن نقصانها فلسطينيا، وكأن مشكلتهم مع الحرية استثناء في منطقة الرعب العربية، لكي يجندوا الجميع في سبيل قضيتهم الفلسطينية التي لا نشك بعدالتها، ولو عبر سكوتهم عن الرعب النظامي العربي-بل وتبريره وشرعنته- الذي "يطال الأجنة في الأرحام التي لم تخلق" على حد مديح الشاعر العربي القديم لمهابة ورهبة وعظمة خليفته!؟

بل تبلغ المفارقة ذروتها أن مشعل وأخوانه يرفعون صوت حريتهم من على منابر- وبالتحالف- مع دمشق التي حولتها الطغم المافيوزية إلى عاصمة كوابيس الرعب العربية ضد حقوق الإنسان السوري، بعد الوراثة الرفاقية (البعثية) لدور عاصمة الرعب عن بغداد غبّ سقوط صنمها... يقف بعض الأخوة الفلسطينيين على أنقاض دمشق (العظم) رمز الحرية والثقافة والمدنية والسلوك المتحضر قبل أن يجتاحها الرعاع والعسكر والشعارات الزاعقة بعروبة متآكلة وفلسطين متناثرة تناثر شعاريتهم التي لم تكتشف عروبتها إلا في التعريف الفقهي الولايتي لملالي طهران...

إن الحريات هي مشكلة المنطقة العربية بكاملها وليست مشكلة فلسطين وحدها، ومأساة غزة ليست أكثر عمقا أو جرحا من مأساة سوريا، وآن الأوان للقول الصريح والعلني وبالفم الملآن من غير المعقول أن نتضامن مع حماس غزة إذا لم تتضامن حماس غزة مع شعبها السوري الأسير...ناهيك عن زيارات (مشعل وإخوانه وبشارة ورفاقه) التبجيلية لضريح وثن الطغيان (الأسدي) تعظيما وإجلالا لسفاح سوريا وفلسطين ولبنان...!!!!

لقد آن الأوان لتعريف الاستبداد بالدلالة المعرفية والسياسية وليس بدلالة الهوية، بحيث لا يدان سوى الطغيان الإسرائيلي بينما يسكت بل ويدافع عن الطغيان العربي لأنه (عربي شقيق)، فلم يعد مقبولا من المناضل الفلسطيني هذه (النرجسية الوطنية)، التي لا تلاحظ إلا معاناتها حتى ولو كانت على حساب معاناة الأخ والشقيق، ولم يعد مقبولا إطلاق أصوات الحرية والتحرر الفلسطيني من دمشق، بينما المئات من المثقفين والصحفيين من قادة إعلان دمشق في السجون:(سيدة سوريا الأولى) الدكتورة فداء حوراني، ونائب دمشق نبيل سوريا (رياض سيف ) وشيخ الحقوقيين السوريين (هيثم المالح ) وبراءة سوريا الطفلة (طل الملوحي)، وقد ذكرنا هذه الأسماء كرموز دالة على شرائح ومجموعات تقبع في السجون والمعتقلات، حيث بات المثقف السوري يحسد المثقف الفلسطيني على سقف الحريات التي يعيشها في ظل الاستيطان الإسرائيلي إذا ما قورن بالاستيطان المافيوي المخابراتي في سوريا...

لا يمكن أن تكون حرية الأخ الفلسطيني أهم وأولى أو بديل لمشكلة أخيه المواطن السوري مع الحرية لكي يتضامن مع حرية الشقيق الفلسطيني، بينما هو يسكت عن حرية شقيقه السوري، بل يدعوه إلى مزيد من التنازلات عن حريته وكرامته لطغاته، وذلك كما تدعو حماس الأخوان المسلمين السوريين إلى مزيد من إهانة النفس، بل ودعوة حزب الله لشكر (سوريا الأسد)...

إن الفلسطيني لن يبلغ حريته يوما، ما لم يرتق وعيه بالحرية إلى المستوى الكينوني الإنساني، حيث كما الحرية لا هوية لها، وكذلك الاستبداد لا هوية له، فالبوط (الجزمة) الذي يوضع على العنق الإنساني، إنما تعريفه هو البوط إياه (جزمة)، كما العنق هو العنق، فهوية البوط لا تقلل من تعسفه وقهره وإذلاله، أي ليس مهما نوع هويته إن كان عربيا أم صهيونيا يهوديا أم مسلما... والعنق البشري هو العنق الإنساني عربيا كان أم كرديا أم فلسطينيا أم مسلما أم مسيحيا...

mr_glory@hotmail.com

• كاتب سوري

---------------

من الديكتاتورية (الناصرية) النزيهة إلى القرصانية (الأسدية) اللصوصية 2

عبد الرزاق عيد

السبت 12 حزيران (يونيو) 2010





--------------------------------------------------------------------------------



هذه الحلقة الثانية من النص الكامل للمحاضرة التي ألقاها المفكر السوري الدكتور عبد الرزاق عيد في باريس بدعوة من لجنة إعلان دمشق في فرنسا تحت عنوان عوائق الديموقراطية في العالم العربي (سوريا نموذجا) (2)

*

ما هي العوائق التي تقف حائلا دون الانتقال إلى الديموقراطية في بلادنا إذن؟

لا شك أننا سنسارع إلى الإجابة دون كبير عناء، وهي أن هذا العائق قائم أمامنا صريحا ظاهرا صلدا كجدار وهو جدار النظام العربي المتغّول والأشد شراسة في العالم، ولعل شراسته تتأتى من واقع أنه يستحوذ استحواذا مطلقا على بلاده، مما لا يمكن له تخيل أن يعيش بدون هذه الأملاك (الأوطان) التي راح يستشعر أنها مخادعه الداخلية ...فخسارة السلطة هي خسارة للذات بعد أن توحدت مع الأشياء التي يمثلها لهم الوطن كملكية شخصية ... هذا الأمر ينطبق-في كل الأحوال- على الديكتاتور المحترم الذي لا يسرق من بلاده بعد أن تماهى معها أو تماهت معه، فراح يعتبرها بكليتها ملكيته الشخصية كنماذج مثل ستالين – هتلر – ماو تسي تونغ ، وإسلاميا الخميني، وعربيا جمال عبد الناصر ...فهؤلاء جميعا لم يسرقوا من بلادهم، وغادروها لا لهم ولا عليهم وفق النموذج (الخطابي)، نسبة إلى عمر بن الخطاب صاحب هذا القول الشهير :" أن أخرج من هذه الدنيا لا ليّ ولا عليّ " ، لكن باستثناء جمال عبد الناصرعربيا، فإن كل الديكتاتوريين الذين عرفهم العالم العربي بعده من نوع اللص الصغير الدنيء في صورة قرصان مريض مزمن بالجوع والنهم، فهو لا يشبع لأن جوعه بلا قرار، لن نتحدث عن نماذج مثل صدام حسين والقذافي ما دام موضوعنا (النموذج السوري) ، فقد سبق لنا أن تحدثنا عن أحد القادة الأمنيين الذي رد على سماه مبالغات المعارضة السورية في الحديث عن النهب (الأسدي) لسوريا، بأن برأ حافظ الأسد قائلا: بأن ثرواته في البنوك الخارجية لا تتجاوز (8) مليارات دولار، وأنه لا علاقة له بمليارات ابنه (الشهيد باسل)، ولا بمليارات أخيه (القائد رفعت)، أو أخيه البرلماني شيخ جماعة المرتضى ( الأستاذ جميل)، أو شيخ الجبل... وآخر شيخ السهل وشيخ البحر وشيخ الأرض وشيخ السماء وشيخ المعلوماتية ... ومن والاهم من الأقربين من شيوخ الكومبيوتر والنت... ويتساءل مصدر هذه المعلومات ماذا تنتظرون وتتوهمون؟ هل تصدقون أن يقتنع هؤلاء منكم بالتداول السلمي للسلطة واللجوء إلى صندوق الاقتراع والقبول بحكم الأغلبية الانتخابية؟

على كل حال فقد أجاب على هذا السؤال كبير الموظفين الإداريين الذي يشتغل لدى المؤسسة العسكرية (الأسدية) بمرتبة موظف وزير دفاع كعماد بالنياشين قائلا: "أنهم حصلوا على السلطة بالبندقية ولن يسلموها إلا بالبندقية...!!!)، فقطعت جهينة قول كل خطيب!

إذا لننتقل إلى السؤال الأصعب، وهو سؤال موقف المجتمع والنخبة تجاه هذه الديكتاتورية القرصانية المافيوية الصريحة... التي لا يتردد الكثيرون من ممثلي نخب السياسة والمجتمع أن يصفونها بالوطنية والمقاومة والممانعة والصمود والتصدي...! حيث يكفي أن يكون في المجتمع السوري قوى سياسية يفترض أنها معارضة، ولكنها ترى أن نظامها صامد ومقاوم وهي تلتقي معه على أن ذلك هو أولى الأولويات لكي يطرح السؤال حول مدى حضور الديموقراطية في نسيج البنية السياسية العربية والسورية بخاصة لكونها تعتقد – والأمر كذلك- إن الاغتصاب الخارجي وحده المرفوض بينما يمكن قبول الاغتصاب الداخلي ما دام المغتصب يجأر بالصوت أنه يدافع عن الشرف خارجيا...! وكأن اغتصاب الداخل ضرورة للمغتصب لكي يقاوم اغتصاب الخارج، حيث ربما أن أصوات الاحتجاج على الاغتصاب الداخلي تشوش على الممانع والمقاوم تمتعه باغتصابه، حيث تحول دون انتعاظات تمنعه ومقاومته فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة ...ولهذا لم يصدر أي صوت بالاحتجاج والرفض والإدانة من قبل القوى الديموقراطية في سوريا عند "غزوة بيروت"، إلا مجرد احتجاجات ثقافية فردية مثلما فعلنا،" فحزب الله حزب مقاوم فمن حقه أن يغتصب أهله ليتمكن من المقاومة ...

هذا ليس احتيالا والتفافا حول المفاهيم الديموقراطية الحديثة بل هي تتعارض مع البداهات التي يختزنها اللاشعور الثقافي الجماعي للبشر، فنحن لسنا بحاجة للحفر الأركيولوجي للبحث عن النماذج البدئية في الثقافة الإنسانية، للقول: إن النموذج البدئي للمحرم يبدأ مع المحرم الأهلي ... وأن الاغتصاب الخارجي يمكن أن يكون له حلول: إما الحرب ضد المغتصب لطرده واستعادة السبايا، أوالسلام (الزواج) ومن ثم سقوط معنى الاغتصاب ...أما الاغتصاب الداخلي فقد سمته كل الشرائع السماوية والأرضية بأنه (زنى المحارم)، وهولا حل له لا بالحرب ولا بالسلم فهو (لعنة)... فلنتصور درجة اللعنة التي تلحق بكيانيتنا العربية والسورية أمام حالة الاغتصاب الشامل....!

وقد كان قد سبق لنا من قبل أن تحدثنا عن سوريا (الملعونة)، استنادا إلى الحديث الشريف (لعن الله الراشي والمرتشي)، حيث لا يوجد في سوريا فرد واحد لم يرش أو يرتشي ....حيث يمكن القول: إن لعنة الفساد هذه إنما ترضع من صدر لعنة الاستبداد، الذي يؤسس على ثقافة الخطيئة (اغتصاب المحارم) ... ولهذا علينا عندما نسمع الشاعر طرفة بن العبد يقول:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة..... على النفس من وقع الحسام المهند

أن لا نتوقف عند حدود اعتبار قول (طرفة) هذا مجرد قول شعري جميل، وليس هو مجرد مثل وأمثولة وحكمة، بل هو صوت الجرح الغائر في أعماق التجربة الإنسانية العربية الذي لم يندمل بل يزداد اتساعا ونزيزا وصديدا...

وربما يفسر عمق هذا الجرح أننا لا نزال حتى الآن نتحدث عن السلطة بوصفها العائق الوحيد للديموقراطية ومن ثم تأجيل الحديث عن العوامل الثقافية والاجتماعية والتاريخية ...إذ أن هذه السلطة التي سبق لـ(سمير أمين) أن وصفها بـ(الصنم) الذي لا يشرب خمرته المقدسة إلا بجماجم الضحايا وفق التعبير المجازي لماركس، فهي بسبب تشبثها الدموي و تغّولها ورفضها المستميت للآخر جعلت المعارضة السورية خلال نصف قرن على دين سلطانها تأتمر بأمره وتصدع لرأيه الهابط من أعلى ايديولجيا وسياسيا وذلك هو الجزء الذي ألحقته ببطانتها الفاسدة تحت اسم (الجبهة الوطنية التقدمية) ، أما الجزء الآخر الذي رفض الانصياع للجبهة (الأسدية) ، فقد قضى حياته في السجون نبلا ونزاهة وشجاعة، لكنه لم يتمكن من القطع المعرفي (الابستمولجي) مع إشكاليتها القائمة على اغتصاب الداخل( المحارم) في خدمة الإدعاء بممانعة الاغتصاب الخارجي، دون التساؤل الجوهري حول امكانية مغتصب الداخل أن يقاوم اغتصاب الخارج، وهل يمكن لمن دمر الاغتصاب عالمه الداخلي والقيمي والأخلاقي والوجداني أن يقف على أقدام كرامته المهدمة لينافح عن الكرامة الوطنية والقومية ...!! تلك الإستراتيجية لتعميم التغول السلطوي الطغياني والايديولوجي الإكراهي والبسيكولوجي الاغتصابي يروم تحطيم البداهات حتى ولو كانت بداهات أهلية انثربولوجية تكشف عن أولوية رفض الاغتصاب الداخلي على الاغتصاب الخارجي بوصفها ثقافة الفطرة الإنسانية، إذ عندما يستباح الشرف داخليا لن تقوم للإنسان قائمة للدفاع عن شرف مستباح بالأصل، ولن نتحدث عن دروس الهزائم العربية أمام الخارج كثمرة لهزائمها الداخلية، ولن يكون سقوط بغداد آخر الأمثلة للبرهنة على أن الاغتصاب الداخلي لا يمكن إلا وأن يكون مدخلا وجسرا وتوطئة للاغتصاب الخارجي...

لكن-مع ذلك- فإن الضرورة البحثية والعلمية تفترض بنا أن نشير إلى العوامل الأخرى ومذاهنتها وفق تداولها في النصوص العربية:

طبعا يطيب للكثيرين من النخب أن يتحدثوا عن العوامل الثقافية ليريحوا أنفسهم من وجع السؤال والمواجهة مع الاستبداد وأنظمة الطغيان القائمة والدائمة، فيتم الحديث عن ما سماه ماركس بـ"نموذج الاستبداد الآسيوي"، أوالاستبداد الشرقي ومن ثم الاستبداد العربي، حيث تعارض الهوية البدوية مع قيم الحرية والحداثة والديموقراطية، ومن ثم تقديم النماذج عن إسلام للعنف يقوم على مبدأ التبشير والجهاد، في صورة إسلام سياسوي لا يزال يسوّقه حتى المعتدلون منهم كالشيخ د. القرضاوي، إذ يعرف الإسلام بأنه (مصحف وسيف)، بما يمكن أن يعني أن الذي لا يفهم بلغة المصحف سيفهم بلغة السيف....!

وهي فكرة إستشراقية ظلت تسوق منذ أطروحة غوستاف لوبون المعروف-مع ذلك- بصداقته للعرب حيث يقول (إن سيوف العرب لا بد أن تكون مشهرة، فإذا لم توجه إلى الغير فإنها توجه للنفس"، وصولا لباحث فرنسي شاب جيل كيبل يصدر كتابا تحت عنوان (فتنة) يرى أن الإسلام يتأرجح بين نمطين من الجهاد: جهاد عنف موجه ضد الآخر الخارجي، أو جهاد "الفتنة" حيث العنف بين أجزاء الأمة ذاتها"، وتلك هي الفكرة ذاتها التي عبر عنها (البابا) بحديثه عن التلازم التاريخي بين الإسلام والحرب (العنف)، فنبهنا إلى خطورتها بعد أن كنا نتباهى بها ونفاخر بأنها من خصوصياتنا، حيث بالتناظر كنا نلغي نضاليا كل تراث الفردانية التذوقية الشخصية الناعمة للتراث الصوفي المؤسس على الابتهال والتضرع (خفية وخيفة) وليس تبشيرا ووعظا وإكراها وإرغاما بحد السيف "ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين" (الأعراف55)، لنلاحظ أن (التضرع) يشترط ( الخفية والخيفة ) وإلا كان (عدوانا)، والخيفة هنا هي مخافة الله وليس تخويف خلقه....حيث سيرد في الذكر الحكيم: "واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال" (الأعراف 205)،هؤلاء "إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين"، هذه المعاني الفياضة من نهر الكوثر الإلهي، أتى البابا لينسبها إلى ميراثه ناسيا أو متناسيا التاريخ الصليبي، في حين أن هذه المعاني هي ثمرة روحانية الصوفية الإسلامية في الماضي والحداثة الغربية في الحاضر، حيث الفردانية الروحانية الشخصانية معادل لمفهوم (الفردية ) كنواة مفهومية فلسفية أساسية لمعنى المواطنة في العصر الديموقراطي الحديث، التي تكيفت الكنيسة معها من خلال نهضة الفنون والآداب والتشكيل والموسيقى، حيث (الفردية السوسيولوجية) للحداثة ستعادلها (الفردانية الروحانية) الشخصية في ممارسة حرية التفكير والتعبير والديانة والعبادة.

في حين أن الخصوصية الاستبدادية سيتولى شأنها بحمية عقائدية (قوموية) شديدة مثقفو السلطة في سوريا الذين عايشوا الثقافة الغربية والحفريات في الميدان الانثربولوجي، مما أتاح لهم صياغة أدلوجة تسلطية توضع في خدمة النظام السوري، وأول من اشتغل عليها المثقف الأمني، حيث دفعوا بمقولة الخصوصية إلى الحد أن راحوا يترافعون عن (خصوصيتنا الديموقراطية ) العربية، فكان علينا أن نعتبر (الأسدية ) نسختنا الخصوصية عن الديموقراطية في سوريا، سيما بعد انجازاتها (العلمانية الثورية ) في حماة، وفي أواخر الثمانينات مع (البيريسترويكا) السوفيتية، سيتحدثون عن سبق البيريسترويكا (الأسدية) على بيريسترويكا غورباتشوف، وذلك من خلال الحركة التصحيحية التي أطلقت التعددية الحزبية، ودفعت بحكم الحزب الواحد –المثبت بوحدانيته دستوريا- باتجاه التعددية الحزبية في صيغة (الجبهة الوطنية التقدمية) كما كانت صناجة الإعلام البعثي تنفخ في رئة صنمها المصنوع من القش الذي ستذروه الرياح ما أن سيذوب كهنة ايديولوجيا الملح...!!

وبطبيعة الحال-والأمر كذلك- سيكون هناك نسخة (قذافية وصدامية) عن هذه الخصوصية الديموقراطية العربية...

ستأتي المدارس البنيوية والألسنية المؤسسة على الوضعية المنطقية ابستمولوجيا للحديث عن ضعف الثقافة الديموقراطية مجتمعيا من خلال الحديث عن ضعف النسيج العقلاني في ثقافتنا السياسية من خلال ما سيسميه الراحل محمد عابد الجابري بأن الخطاب العربي المعاصر "هو خطاب وجدان لا خطاب عقل"، وهذا مما سيساعد على نمو وعي شعبوي يعلي من شأن الأنا الغنائية الجمعية العاطفية المشاعرية التي تحل الرغبات محل الواقع على حساب العقلانية وإدراك منطق الواقع دون أن يأكل التشبيه المشبه حسب الياس مرقص، حيث الخطاب البياني القومي البلاغي يحل -حسب الأسلوبيين-الغائب (الهناك ) محل الشاهد (ألهنا) حسب تعبير الان روب غرييه، هذه الرغبوية الذاتية تعتمد الشلف التأويلي العاجز عن إنتاج وعي مطابق في الواقع حسب ياسين الحافظ.

كل ذلك سيحيل دون تبلور وعي بدور الفرد(الديك)، الذي يمكن له أن يستشعر كيانيته (البروميثيوثية ) المتمردة التي تؤسس لوعي إشكالي عصياني بالواقع والثقافة، وذلك لصالح ولادة (الكائن الدودة) المسحوقة، حيث الفرد الرع المشبع بثقافة الخوف والإقصاء والإخصاء...

في مقابله وعلى أنقاضه ستتأسس صورة الفعالية (الجماهيرية )، حيث ما سمي بعصر (الجماهير) التي تفتدي القائد بالروح والدم، إذ بدأت هذه (الجماهيرية) قطيعية حميمية عفوية وصادقة في لحظة ولادتها (الناصرية) التي استبدلت (جماهيريا ) مبدأ (الانتخابات ) بمبدأ(الاستفتاء)، لكنها تحولت إلى طقسية كاذبة وزائفة مرتعشة الكيان خوفا وسحقا وإذلالا مع متناسخي ومماسخي الناصرية في الصورة والهيئة (الأسدية –الصدامية –القذافية ...الخ) ، حيث الدستور السوري (الأسدي) 1973، يتحدث عن الانتخابات والاستفتاءات بمعنى واحد، وهذا ما تحقق فعليا على الأرض من خلال الصلاحيات الأسدية المطلقة التي كرست دستورية الملكية الأسدية لسوريا، قبل تطويبها فقهيا من قبل حزب الله بوصفها (سوريا الأسد)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق